حيدر حب الله
235
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه . ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلّهم من الأحاديث المقلوبة ، والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه . فلما علم البخاري أنّهم قد فرغوا التفت إلى الأوّل منهم فقال : أمّا حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني فهو كذا ، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة ، فردّ كلّ متن إلى إسناده ، وكلّ إسناد إلى متنه ، وفعل مع الآخرين مثل ذلك ، وردّ متون الأحاديث كلّها إلى أسانيدها ، وأسانيدها إلى متونها . فأقرّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل » « 1 » . ولم يكن هذا هو الامتحان الوحيد الذي مرّ به البخاري ، وإنّما خضع لامتحانات أخرى على أيدي علماء آخرين في بلاد إسلاميّة متكرّرة ، وكان النجاح حليفه في ذلك كلّه ، حسب ما تحكيه تلك القصص المنقولة . كان العصر الذي عاشه البخاري مليئاً بمخاضات كبيرة وعسيرة ، فقد شهدت فترته نزاعات حادّة في بعض المسائل المستجدّة الطارئة على المجتمع ، وكالعادة يختلف في فهمها ومعالجتها العلماء ، وقد يؤدّي بعضها إلى مقاطعتهم بعضَهم ، بل والدعوة لتحريم حضور مجلسه ، وهذا ما حصل بالفعل ، حينما قال محمد بن يحيى الذهلي أحد أعلام خراسان وقتها : « ألا من قال باللفظ فلا يحلّ له أن يحضر مجلسنا ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته ، وقام على رؤوس الناس ، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال » « 2 » . فكأنّ هذه فتوى واضحة من قبل الذهلي بتحريم الحضور على البخاري ، إلا أنّه مع ذلك خالف مسلم صاحب الصحيح والتزم الحضور على محمد بن إسماعيل البخاري . ورغم كلّ تلك العلاقة الطويلة والوطيدة بين مسلم والبخاري ، كما يذكر لنا الرجاليّون ، لم يروِ مسلم في الصحيح عن البخاري أو يأتي على ذكره ، ولو في رواية واحدة ،
--> ( 1 ) البغدادي ، تاريخ بغداد 3 : 20 . ( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء 12 : 460 .